الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

230

الأخلاق في القرآن

ومن المعاني الأخرى « لِلنيّة » ، هو إختلاف الدّوافع ، بالنّسبة لِلأعمال الّتي تكون على هيئةٍ واحدةٍ في الظّاهر ، فالذّهاب للجهاد ، يمكن أن يكون الباعث له هو كسب الغنائم ، أو الإستعلاء على النّاس ، أو يكون دافِعُهُ نصرة الحقّ ، ودفع الظّلم ، وإطفاء نار الفِتن ، وأمثال ذلك . فالذّهاب لِلحرب ، واحدٌ في الشّكل والظّاهر ، ولكن شتّان بين النّوايا السّليمة ، وبين النّوايا المغرضة . ولأجل ذلك ، أتت الأوامر بإصلاح النيّة ، وتنقيتها من الشّوائب ، قبل السّلوك في أيّ طريق ، وما السّالك في خطّ اللَّه ، والكمال المعنوي بِمُستثنى عن ذلك ، فهل أنّ هدفه من سلوك سبيل التهذيب والرياضة ، هو التّكامل المعنوي ، والوصال الحقيقي ، أم أنّه يريد كسب عنصر القّوة في عالم النفس ، والتّسلط على ما وراء الطّبيعة ، ليشار إليه بِالبَنان ؟ ! . وما وردنا من حديثٍ : « إِنّما الأَعمالُ بالنِّيَّاتِ » ، هو إشارةٌ لهذا المعنى ، وَوَرد الحديث في موسوعة : بحار الأنوار ، عن رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ، فقال : « إِنّما الأَعمالُ بالنِّيَّاتِ وإنَّما لِكُلِّ امرِءٍ ما نَوى فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ، فَهِجْرَتُهُ إِلى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ، وَمَنْ كانَتْ هِجرَتُهُ إِلى دُنيا يُصِيبَها أو إِمرَأَةٍ يَتَزَوَّجَها فَهِجْرَتُهُ إِلى ما هاجَرَ إِلَيهِ » « 1 » . وكذلك الحديث الوارد عن علي عليه السلام ، حيث يقول : « عَلى قَدْرِ النِّيَّةِ تَكُونُ مِنَ اللَّه عَطِيَّةٌ » « 2 » . فهو إشارةٌ إلى نفس المعنى الآنف الذكر . ويُستفاد مما تقدم ، أنّه ولأجل الوصول إلى المقاصد والأهداف المنشودة ، في أيّ أمرٍ وعملٍ ، وخصوصاً المصيريّة منها ، علينا أن نتحرّك في دائرة العمل ، بإرادةٍ قويّةٍ وعزمٍ راسخٍ ، في مُواجهة التحدّيات الصّعبة ، لتحقيق الأهداف المرسومة ، وبدون ذلك ، سيحل فينا عنصر اليأس والحيرة والضّياع . وكذلك هو حال السّائر في طريق تهذيب النّفس ، وإصلاح الخَلل في واقعه الداخلي ، عليه البِدء بإرادةٍ حديديّةٍ ، ويدعمها بالتوكّل على الباري تعالى ، في عمليّة السّلوك المعنوي ، ويمكن

--> ( 1 ) . بحار الأنوار ، ج 67 ، ص 211 ، وورد في هامشه ، أن هذا الحديث متفق عليه عند جميع المسلمين ، ثم يشير إلى كلام البخاري في صحيحه ، في كتاب الإيمان ، ص 23 . ( 2 ) . غُرر الحِكَم ، ح 1594 .